فصل: مسألة اشتراط أيام مسماة لتوصيل الحمل لمحله:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة عطب الدابة أو السفينة المكتراه قبل بلوغ المحل:

ومن كتاب القبلة:
قال مالك في رجل تكارى من رجل وله دابة أو سفينة لا يعلم له غيرها، فتكارى منه إلى بلد مسمى، ولم يشترط عليه أنك تحملني في سفينتك أو على دابتك، ثم تصاب السفينة أو الدابة بعدما يركب، قال: لا أرى إلا أنه ضامن، على الكري أن يبلغ المتكاري إلى حيث يشترط عليه إلا أن يكون قال: دابتي هذه، أو سفينتي هذه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب أن الكراء محمول على المضمون، وإن قال: دابتك أو سفينتك حتى يعينها بالتسمية لها أو الإشارة إليها، فيقول: دابتك الفلانية أو دابتك هذه، وهو معنى ما في نذور المدونة، وفي سماع يحيى من كتاب الإيمان بالطلاق خلاف ما يقوم من رسم لم يدرك من سماع عيسى منه، وقد مضت هذه المسألة مستوفاة في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.

.مسألة سرقة المتاع قبل بلوغ الحمال به المحل:

وقال مالك، فيمن تكارى على حمل متاع بعينه يريد المكري إلى بلد معلوم، فسرق ذلك المتاع قبل أن يخرج به أو بعدما سار به بعض الطريق، إن ذلك سواء خرج أو لم يخرج، الكراء له لازم، إن شاء جاء بمثل ذلك المتاع، وإن شاء أكرى ذلك البعير لمن يحمل عليه، وسواء كان ذلك قبل أن يخرج أو بعدما خرج إن كان صاحبه معه.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، أن الكراء لا يفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله وهو المشهور في المذهب، خلاف ما في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من هذا الكتاب أن الكراء يفسخ.
وهذه المسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفسخ بتلفه جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه لا يفسخ بتلفه جملة أيضا من غير تفصيل.
والثالث: الفرق بين أن يتلف بأمر من الله، أو من قبل ما عليه استحمل، فإن تلف بأمر من الله لم يفسخ الكراء، وإن تلف من قبل ما عليه استحمل انفسخ الكراء فيما بقي ولم يكن له شيء فيما مضى.
وقيل: إنه بحساب ما سار، وقد مضى هذا في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور، وقد مضى أيضا تحصيل هذا في غير ما موضع من كتاب الجعل والإجارة، من ذلك ما وقع في رسم طلق من سماع ابن القاسم، ورسم العتق من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

.مسألة النفقة على البعير المتخلف عن الكري:

ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها:
وسئل: عن قوم تكاروا من كري تخلف عنهم ببعض الطريق فأنفقوا على إبله في علفها، أو مات بعير فتكاروا عليه، أترى ذلك يلزمه؟ فقال: نعم أرى أن يلزمه ذلك إذا كان الذي صنعوا يشبه ما ينفق عليها، ثم قال: أرأيت لو كان معهما، أليس كان ينفق عليها ويتكارى؟ فقيل له: إنهم اشتروا بعيرا، قال: لا أدري ما الاشتراء، أرأيت لو ماتت كلها أكانوا يشترون إبلا؛ إنكارا أن يكون عليه شيء.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي في الاشتراء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الكري إذا تخلف عن المكتري فأنفق على إبله أن له أن يرجع عليه بما أنفق عليها؛ لأنه لما غاب وترك إبله عنده، فكأنه قد أذن له في الإنفاق عليها، إذ قد علم أنها لا تستغني عن الإنفاق عليها، وأنه إذا اشترى عليه بعيرا لا يلزمه، إذ لا يجب الحكم عليه بذلك لو رفعه إلى السلطان.
وأما إذا اكترى عليه فإن كان بعد أن تلوم وأشهد في موضع لا سلطان فيه فبين أنه يرجع عليه بما اكترى به عليه.
وأما إن كان اكترى عليه دون أن يرفع إلى السلطان أو دون أن يتلوم ويشهد إن كان في موضع ليس فيه سلطان، فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه الأقل مما أكرى به عليه أو قيمة ذلك، ويكون له كراؤه.
والثاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولا يكون له كراء.
والقولان يقومان من الاختلاف الذي ذكرناه في مسألة الكري لا يجد وكيل المكتري فيكري الإبل له دون أن يرفع ذلك إلى السلطان، أو دون أن يتلوم له ويشهد إن كان في بلد ليس فيه سلطان.

.مسألة الشركة في المتبقي من الطعام التالف من الحمال:

وسئل: عن رجل حمل طعاما من الريف في سفينته فمر بأخ له في قرية أخرى، فقال: أفي سفينتك فضل تحمل لي مائة إردب؟ قال: نعم، وقد كان الأول حمل فيها خمسمائة إردب فألقى قمحه من فوق طعام صاحبه فانخرق المركب، فدخل الماء من أسفله فأصاب منه نحوا من خمسين إردبا. وهو يعلم أنه لم يصل إلى طعام الرجل الذي كان حمله فوق طعامه الأول.
قال: أراهما في ذلك شريكين. قلت: إنه لم يصل إلا إلى الأول، قال: قد حملاه على وجه الشركة وخلطاه.
قال محمد بن رشد: قد مضى من القول في معنى هذه المسألة في أول رسم من السماع ما يغني عن القول فيها، ويوضح معناها، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة تخفيف أحمال السفينة لينجو أهلها:

وسئل: عن المركب يخاف أهله الغرق فيطرحون مما فيه شيئا لينجوا؟
قال: أراهم فيه إسوة. قلت: أفعلى قيمته يوم حمل؟ أو ثمنه الذي اشتري به؟ أو قيمته حين يطرح؟ قال: بل على ثمنه الذي اشْتُرِيَ به إذا كان إنما اشترى بمكان واحد بصنعاء أو بالفسطاط، فالثمن أعجب إلي، وقال: ابتداء منه في قيمته بموضعه الذي طرح فيه، كم قيمته في ذلك الموضع؟ وهل يشتري أحد ثمة وليس له ثمة قيمة؟ قيل له: أفترى على جرم المركب شيئا؛ لأنهم يقولون لو لم نطرح منه شيئا لهلك في ذلك وغرق، قال: لا شيء عليه، ولو ذهبوا تحاصوه لكان جل الغرم عليه، مثل أن يكون قسيمة المركب الشيء الكثير فيريدون أن يحاصوه بقيمة ذلك، فلا أرى عليه شيئا.
قال ابن القاسم: ليس على من في المركب من قومته غرم، كانوا عبيدا أو أحرارا، وإن كانوا عبيدا للتجارة فعليهم.
قال سحنون: سألت ابن القاسم عن تفسير قول مالك في المتاع الذي يكون في المركب فيخاف أهله الغرق فيطرح بعضه أن الذي يطرح متاعه يكون شريكا لهؤلاء في متاعهم بثمن متاعه الذي اشتراه به، قلت: ما معنى قوله الذي اشتراه به؟ قال: إن كان المتاع إنما هو شراء من موضع واحد مثل أن يكون من الفسطاط نفسها.
وأما أن يكون اشترى بعضهم بالفسطاط وبعضهم من أسواق أو من بعض نواحي مصر، فإن هذا ليس مثل الأول، فإذا كان مثل هذا فإنما ينظر إلى ما يشترى به، هذا كله ما طرح وما بقي مما لم يطرح، بكم يُشترى مثل هذا المتاع التالف، والباقي في الموضع الذي حمل منه في البحر مثل القلزم وجدة ونحو ذلك، فيكون شريكا بقدر ما يُشترى به متاعه في ذلك الموضع على قدر ما يصيب متاعه ومتاعهم، واختلاف الأزمنة مثل اختلاف البلدان في الشراء، مثل أن يشتري منذ سنة، وهذا منذ شهر، فينظر إلى ثمن مثله منذ شهر فيكون شريكا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن لمن طرح من المركب متاعه في البحر رجاء نجاته أن يرجع على من لم يطرح متاعه فيشاركهم فيه بقدر متاعه ومتاعهم، إذ ليس بعضهم أولى بطرح متاعه من بعض مع انتفاع جميعهم بذلك، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، وإنما اختلف قول مالك في صفة التقويم في الاشتراك، فقال في المختصر مرة: إنه ينظر إلي قيمة المتاع المطروح والباقي في الموضع الذي حمل منه، وقال مرة: في الموضع الذي يحمل إليه، وقال مرة: في الموضع الذي طرح فيه، ورواه أشهب عنه، وقوله هاهنا: إنهم يشتركون فيه على الثمن الذي اشتروه به، وذلك إذا اشْتُرِيَ في وقت واحد وموضع واحد، وصفة واحدة من النقد والدين، وعلى غير محاباة، فإن اختلف شراؤهم في شيء من ذلك اشتركوا بقيمة متاعهم يوم حملوه في الموضع الذي حملوه منه على ما فسر به ابن القاسم قوله، والقول قولهم فيما زعموا أنهم اشتروه به دون يمين إذا تبين صدقهم إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف، قاله سحنون بعد هذا في رسم أخذ يشرب خمرا.
وقوله: إنه لا يمين عليهم إذا تبين صدقهم- صحيح، كما أنه إذا تبين كذبهم وأتوا بما لا يشبه لا يمكنون من اليمين، وينظر إلى قيمة ذلك يوم الشراء فيكون شريكا بذلك.
وأما إذا لم يتبين صدقهم ولا كذبهم، فيتخرج تحليفهم إذا دعا إلى ذلك بعضهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.

.مسألة اشتراط أيام مسماة لتوصيل الحمل لمحله:

ومن كتاب شك في طوافه:
وسئل: عن رجل يتكارى الأجير يخرج له بكتاب يحمله إلى بلد ويشترط عليه أياما مسماة، قال مالك: ما هذا من كراء الناس وما يعجبني.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان الوصول إلى البلد إلي الأجل الذي اشترط على الأجير مشكلا يمكن أن يبلغه وألا يبلغه- فلا اختلاف في فساد الأجرة على ذلك، وأما إذا كان أجلا يعلم أنه يبلغ فيه إلى البلد، فالمشهور أن الإجارة غير جائزة، وقد قيل: إنها جائزة، وقد مضي القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وفي أول رسم من سماع أشهب منه، وفي غير ما موضع سواه من الكتاب المذكور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة اشتراط شرط قاطع لمدة الإجارة:

ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة:
وسئل: عن رجل يتكارى الدابة إلى الإسكندرية أو إلى الموضع ويضرب له في ذلك أجرا مسمى فيشترط إن عثر على الرجل في الطريق رجع وكان له بحساب ما بلغ على حساب ما تكارى منه.
قال: لا بأس بذلك، وهذا يكون عندنا في الإباق وغير ذلك، فلا بأس به إذا لم ينقد، أنكرها سحنون، وقال: كيف يجوز هذا وقد أكرى دابته بما لا يدري.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول مسألة من السماع، فلا معنى لإعادته.

.مسألة الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا:

ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا:
وسئل مالك: عن الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا.
قال: ما أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: وقد كان ثقله ثم رجع إلى هذا، وقال: لا بأس به إذا انتقد حمولته وهو أحب ما فيه إلي.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في جواز هذا الكراء جار على اختلافهم فيمن كان له على رجل دين، هل يجوز له أن يأخذ منه به دابة يركبها، أو غلاما يخدمه أو دارا يسكنها، ويكون قبض الدابة أو الغلام أو الدار ليستوفي ركوبها، أو استخدامه أو سكناها- استيفاء للركوب أو الاستخدام أو السكنى أم لا؟ وقد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف، وفي سماع أبي زيد منه، فلا معنى لإعادة ذلك، والله الموفق.

.مسألة رجوع الأجير فيما اتفق عليه مع المؤجر:

.مسألة عن الكري يرى غرائر الرجل، فيقول له صاحب الغرائر: زنها، فيأبى ذلك:

قال: وسئل مالك: عن الكري يرى غرائر الرجل، فيقول له صاحب الغرائر: زنها، فيأبى ذلك، ويحملها حتى إذ كان ببعض الطريق أراد أن يزن عليه، قال: لا أرى ذلك له، قد حملها ورضي بها.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال، إذ ليس له أن يرجع فيما قد سلمه ورضي به.

.مسألة دفع عربون لحين حضور الظهر المؤجر:

وسئل مالك: عن الرجل يتكارى من الحمال، ويكون كراؤه مضمونا ويعربن الدينار إلى أن يأتي الظهر، قال: لا بأس بذلك، وقال في ذلك: كم من كري قد أعطي كراءه فهرب وترك أصحابه.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز أن يؤخر النقد في الكراء المضمون إلى أن يأتيه بالظهر وإن بعد الأمد للضرورة إلى ذلك، إذ ليس بحرام بين، كفسخ الدين في الدين الذي يضاهي الربا المحرم بالقرآن.
ألا ترى أنه يجوز فيه تأخير رأس مال السلم اليوم واليومين والثلاثة، فأما في غير الكراء فلا يجوز تأخيره فوق الثلاث؛ لأنه الدين بالدين، وبالله التوفيق.

.مسألة دعوى الأجير ضياع مال استؤجر على الشراء به:

ومن كتاب طلق ابن حبيب:
وسئل مالك: عن حمال تكوري وبعث معه بدنانير إلى موضع ليبتاع بها طعاما لمن استأجره فرجع فزعم أن تلك الدنانير ضاعت منه، أتراه ضامنا؟ قال: لا ضمان عليه فيها، وإنما هو إلى أمانته، وأرى أن يحلف في ذلك لقد ضاعت منه، قيل له: أفترى له فيما عني أجرة؟ قال: لا أرى له شيئا، قد ضاعت الدنانير، ويريد أن يأخذ أجرا، ما أرى له في ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير له أجرة فيما شخص إذا ضاعت الدنانير من أجل أنه استوجر على حملها إلى ذلك البلد وشراء الطعام بها، وجاء تلفها من قبله، وذلك على أصله في المدونة في الذي يستأجر الحمال على حمل شيء فيعثر به فيذهب أنه لا ضمان عليه ولا كراء له، خلاف قول غيره فيها، فليس قول مالك هذا بمعارض لقول سحنون في نوازله من كتاب الجعل والإجارة في الذي يعطي رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل، فلما قبض الدنانير ضاعت منه أن له جعله لأن هذا في مسألة سحنون جعل على بيع فوجب للمجعول له جعله بالبيع، وبالله التوفيق.

.مسألة تضمين الأكرياء:

قيل له: لِمَ ضَمِنَ الأكرياءُ الطعامَ الذي يحملونه؟ قال: إنهم مثل الصناع الصباغ والخياط، فلذلك ضمنوا إلا أن يأتوا فيما تلف منهم على هلاكه بأمر يعرف، فلا يكون عليهم ضمان، مثل أن ينشق زق زيت، أو تهلك راحلته، أو ما أشبه هذا من الوجوه التي يدل على هلاكها أمر يعرف، فلا شيء عليه.
قيل: فالخياط والصباغ إذا سرق بيته، أيصدق؟ قال: ما أدركت الناس إلا على أنهم يضمنونهم، ولا يجعلونه في مثل هذا مثل ما ينشق من الحمال أو يهلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما ضمن الأكرياء الطعام لحاجة الناس إليهم في ذلك كالصناع، إلا أن يظهر الهلاك بانشقاق زق أو عثار راحلة وما أشبه ذلك، وليس ذلك كدعوى الصناع السرقة؛ لأن ذلك لا يعرف إلا بقولهم، وإنما هو كالفران يأتي بالخبز محروقا، أو الصباغ يأتي بالثوب محروقا فيسقط عنه الضمان؛ لأن النار تغلبه، فأشبه عثار الأجير الذي لا يقصده، وبالله التوفيق.

.مسألة دعوى المكتري ضياع الدابة المكتراة:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
وقال مالك، في دابة تكاراها رجل إلى موضع ثم أتى فزعم أنها نفقت- قال مالك: إن كان في جماعة رأيت أن يكلف البينة، وإن كان وحده أحلف ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، فلا معنى لإعادته.

.مسألة ما يترتب على طرح الأمتعة من السفينة:

ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا:
قال: وقال مالك، في السفينة التي طرحوا منها متاعا، وفسد بعض القمح وبقي بعض لم يصبه شيء، وكراء ما طرح: إنه ليس على الجرم شيء مما طرحوا.
قال: ولو كان جرمه ظرفا فارغا نجا، وإنما كان طرحهم نجاة لمتاعهم، فلا أرى عليه فيه شيئا، وقال فيما طرح: لا أرى لأهل المركب فيه كراء ما أكروهم فيه، وإنما لهم على حساب ما بقي مما أكروا، وقال في الطعام الذي فسد بعضه ولم يفسد بعض: إن كان محجوزا كل واحد منهم طعامه على حدته، قد حازه بشيء جعله حجزا فيما بين القمح، فأرى أن من سلم منهم فله ما سلم، وما أصيب منه بما أصابه، أو اسود لموج ركبه فمصيبته من صاحبه، وإن كانت تلك التي حجزوا بها قد انخرق بعضها إلى بعض حتى اختلط الطعام كانوا شركاء جميعا فيما فسد لهم وصلح، يأخذ كل واحد منهم بحصة طعامه.
وأما ما ذكرت في أثمان متاعهم بأي شيء يتراجعون في ذلك؛ فإنما يتراجعون بالثمن الذي ابتاعوه بالقلزم، ولا ينظر إلى ثمنه في الجار، ولا قيمته في الموضع الذي طرح فيه، ولكن ثمنه بالقلزم الذي ابتاعوه به، إلا أن يكون أحد منهم اشترى شيئا بدين فزاد لذلك، فإنما يحسب له على النقد لا زيادة فيه، أو يكون حوبي أحد في شراء خفف عنه، فلا يحمل عليه ما حوبي به من ذلك، ولكن يتم له ثمنه الذي يسوى بالقلزم.
وسئل عنها سحنون: هل يقبل قول كل واحد منهم في ثمن ما قام عليه متاعه من غير بينة ولا يمين؟ فقال لي: نعم، يقبل قولهم، ولا بينة عليهم، ولا يمين إذا تبين صدق قولهم، إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس على جرم المركب شيء فيما طرحوا من المتاع للنجاة على ما قاله، وقد بين العلة في ذلك أنه لو كان ظرفا فارغا لنجا، وكذلك ليس على صاحب السفينة شيء في القلوع والأطراف التي تخلص بها السفينة.
وأما ما كان في جوف المركب من قارب وحبال ومواجل فإن ذلك أيضا يقوم على صاحب السفينة، قاله بعض أهل العلم، وهو صحيح على أصل مذهب مالك، في أنه ليس على جرم المركب شيء.
وأما قوله: إنه لا كراء لصاحب المركب فيما طرح من المتاع، فهو على قوله في المدونة، أن كراء السفن على البلاغ، خلاف قول ابن نافع فيها، أن لها بحساب ما بلغت.
وقوله: إن الطعام إذا انخرق ما حجز به بين طعام كل واحد منهم من طعام صاحبه فاختلط، أنه يحكم بينهم فيما فسد منه بحكم الشركة فهو صحيح، إذ لا فرق بين أن يحملوه على الشركة، أو يختلط بغير اختيارهم فيما يجب من أن يكونوا فيه شركاء بحساب ما لكل واحد منهم.
وقد مضى في رسم حلف ذكر اختلاف قول مالك إن كانوا يشتركون فيما طرحوا على الأثمان، أو على القيم، ومتى تكون القيمة في ذلك، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة اشتراط رجوع الدابة المكتراة حيث وجد ما يدعو لذلك:

ومن كتاب أوله باع غلاما:
وسئل مالك: عن الرجل يكون له بالإسكندرية البز فيستبطئه فيتكارى الدابة من الفسطاط بدينار إلى الإسكندرية، ويقول لصاحب الدابة: أشترط عليك إن لقيت بزي في الطريق رجعت معه وأعطيتك بحساب ما ركبت، قال: لا بأس بذلك، ولا أحب النقد فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول السماع، فلا معنى لإعادة ذلك، وتكررت أيضا في رسم الشجرة.

.مسألة إعطاء المكتري دابة أخرى بدل التي تلفت:

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت:
وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدابة بعينها إلى موضع، فتهلك الدابة في موضع في بعض الطريق فيريد أن يعطيه بها دابة أخرى يركبها مكان الدابة التي هلكت، قال: لا أحب ذلك، وأراه بمنزلة الدين بالدين.
قال ابن القاسم: قال لي مالك بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري والموضع الذي لا يوجد فيه كراء فلا أرى به بأسا.
وأما في الموضع الذي يوجد فيه الكراء فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: إنما لا يجوز هذا إذا كان قد نقد؛ لأن الكراء ينفسخ في الراحلة بعينها بموتها، ويجب للمكتري الرجوع على الكري بما ناب ما بقي من المسافة فإن أخذ منه بذلك دابة أخرى غير معينة كان قد فسخ ما وجب له به عليه الرجوع من الكراء في ركوب لا يتعجله، وكان ذلك حراما لا يحل ولا يجوز بإجماع، وإن أخذ منه في ذلك دابة معينة يركبها إلى انقضاء كرائه جاز على مذهب أشهب، وأحد قولي مالك في رسم حلف المتقدم، ولم يجز على المشهور في المذهب.
قال ابن حبيب: إلا حيث لا يجد غنى عن ذلك إلى الموضع الذي يجد فيه غنى عنه، كالمضطر إلى أكل الميتة، وهو كما قال إذا فسخ ما بقي له من الكراء في راحلة بغير عينها، وأما إذا فسخه في راحلة بعينها ففيه بعض السعة لما ذكرته من الاختلاف في ذلك، وعلى هذا تكلم في هذه الرواية، والله أعلم، ولذلك قال فيها: لا أحب ذلك، وأراه من الدين بالدين، ولو تكلم على أنه فسخ ما بقي له في دابة بغير عينها، لقال: لا يحل ذلك ولا يجوز؛ لأنه فسخ الدين بالدين، وهو أشد من الدين بالدين.
وقوله: ثم قال لي بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري، ليس بقول آخر، وإنما هو تفسير لقوله الأول، إذ لا اختلاف في جواز ذلك عند الضرورة.
ولو كان لم ينقد لجاز ذلك من غير ضرورة باتفاق، وبالله التوفيق.

.مسألة سأل المتكاري كراء جديدا بما له عند الآخر من مال:

ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
وسئل مالك: عن رجل أكرى رجلا فبقي له عنده بقية كراء، فسأل الكري رجلا آخر أن يحمله بالكراء الذي له عليه ويزيده مع ذلك زيادة.
قال: هذا مكروه وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: ما أراه بضيق وفيه شيء، وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك المكري أن يحتال عليه ويزيده مع ذلك فلا خير في ذلك أنكرها سحنون ورآها دينا بدين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، إذ لم يبين فيها هل كان الكراء الذي بقيت منه البقية مضمونا أو معينا؛ ولا هل كانت البقية منه ركوبا على المكري، أو كراء علي المكتري، وتأويلها يصح على الوجهين، من أن الكراء مضمون ومعين.
فأما إن كان الكراء مضمونا فالمعنى فيها أن المكري عجز عن توصيل المكتري إلى البلد الذي أكراه إليه، وله على المكتري بقية من كرائه لم يستوفها منه، فأكرى له من يوصله إلى ذلك البلد بالبقية التي بقيت له على المكتري وبزيادة يزيده إياها من عنده، فكره ذلك مالك وابن القاسم وخففاه جميعا، ووجه الكراهة في ذلك أنه دين بدين؛ لأن المكتري انتقل في كرائه من ذمة المكري الأول إلى ذمة المكري الثاني.
ووجه التخفيف فيه: أن المكري الأول لما كان هو الذي سأل المكري الثاني أن يحمله بما كان له وعليه وبما زاده، فكأنه اكترى منه ذلك لنفسه، ووجب الكراء له، فلم ينتقل المكتري بذلك عن ذمته إلى ذمة المكري الثاني.
وقول ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول إلى آخر قوله، معناه: أنه عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد، فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد بالركوب الذي بقي له على المكري الأول، يحتال به عليه وبزيادة زاده إياها، فلم يجز ذلك؛ لأنه الدين بالدين كما قال سحنون؛ لأن المكتري اكترى ركوبا غير ناجز بالركوب الذي بقي له على المكري الأول وهو غير ناجز أيضا.
وقد قيل: إن المعني في ذلك أن المكري عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد ولم يشترط النقد، ولا كانت سنة الكراء على النقد، فأراد أن يحيله على المكاري الأول بما وجب له به الرجوع عليه، لعجزه عن حمله، فلم يجز ذلك؛ لأنه يستحيل بما لم يحل له، وهذا تأويل ابن لبابة، والأول هو الصواب؛ لأن الكراء المضمون لا ينفسخ بالعجز، وهو ثابت ما لم يفسخ بالحكم، لضرر يكون على المكتري في إمضائه بفوت الإبان كالحج وشبهه، فعلى هذا التأويل يكون ابن القاسم إنما تكلم على غير المسألة التي تكلم عليها مالك؛ لأنه تكلم على المكري قد انتقد، فلم يبق له بقية من الكراء وبقيت عليه بقية من الركوب، وتكلم مالك على أنه لم ينتقد جميع الكراء، فبقيت له بقية منه، وبقيت عليه بقية من الركوب.
وأما إن كان الكراء معينا فالمعنى فيما كرهه مالك وابن القاسم وخففاه جميعا أن الدابة المكتراة بعينها هلكت قبل الوصول إلى البلد الذي اكتريت إليه، وقد انتقد المكتري كراءه، فوجب أن يرد منه نوب ما بقي من المسافة فاكترى للمكتري دابة بعينها لما بقي من الركوب إلى ذلك البلد بما وجب عليه أن يرده من الكراء وبزيادة زادها، فكرها ذلك جميعا؛ لأن المكتري فسخ ما وجب له به الرجوع على المكري في ركوب دابة إلى ذلك البلد، وخففاه جميعا لانتقاد الدابة وهي معينة، وهذا على ما مضى من اختلاف قول مالك في أول مسألة من رسم حلف.
والمعنى في قول ابن القاسم وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك الكري أن يحتال عليه، ويزيده مع ذلك فلا خير فيه، أن المكتري لما ملكت الدابة اكترى دابة لنفسه على ذمته بمقدار ما يجب له به الرجوع على المكري وبزيادة، ثم أحاله على المكري بما وجب له به الرجوع عليه، فوجب ألا تجوز الحوالة؛ لأنه احتال بما لم يحل، إذ لا يجب تعجيل الكراء إلا بشرط أو عرف، وهو معنى الدين بالدين، كما قال سحنون، ولو اكترى المكتري الدابة لنفسه بالدين الذي له على المكري وبزيادة لجاز، إذ يجوز لمن له دين على رجل أن يبيعه من رجل بتمر لم يبد صلاحه، وبجارية تتواضع، وبركوب دابة، وسكنى دار، وما أشبه ذلك، فعلى هذا يكون ابن القاسم إنما تكلم على المسألة التي تكلم عليها مالك، لا على مسألة أخرى، فهذا وجه القول في هذه المسألة مستوفى وتأويلها على الوجه الأول من أن الكراء مضمون أظهر وأولى، والله أعلم وبه التوفيق.